جلال الدين السيوطي
316
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
الإنشاء ، فحصّل أموالا جمّة إلا أنّه كان لا يمسك شيئا سخاء وكرما ، ومدحهما بالمقصورة ، ويقال : إنّه أتى فيها بأكثر اللغة ، فوصلاه بعشرة آلاف درهم ، فلما عزلا صار إلى بغداد ، فنزل على ابن الحواريّ ، فأفضل عليه ، وعرّف به المقتدي ، فأجرى عليه في الشهر خمسين دينارا إلى أن مات . وعرض له آخر عمره فالج ، فسقي الترياق ، فبرأ وعاد إلى إملائه ، ثم عاوده الفالج ، وبطل من محزمه إلى قدميه ، وكان إذا دخل عليه أحد ضجّ ، وتألّم لدخوله ، وإن لم يصل إليه ، قال القالي : فكنت أقول في نفسي إنّ الله عاقبه بقوله في المقصورة : مارست من لو هوت الأفلاك من * جوانب الجوّ عليه ما شكا وعاش بعد ذلك عامين . وأخرج ابن النجّار عن أبي عبد الله محمد بن علي العتمانجي قال : لما نزل أبو بكر بن دريد بلد سيراف ، سئل الجلوس للقراءة عليه ، فأبى ذلك إذ لم ير هناك من يسوى أن يجلس له ، فكتب هذه الأبيات ، وعلّقها في قبلة مسجدهم ، وهي « 1 » : قالوا : نراك تطيل الصمت قلت لهم * ما طول صمتي من عيّ ولا خرس لكنّه أجمل الأمرين منزلة * عندي وأحسن بي من منطق شكس قالوا نراك أديبا لست ذا خطل * فقلت هاتوا أروني وجه مقتبس لو شئت قلت ولكن لا أرى أحدا * ساوى الكلام فأعطيه مدى النفس لا أنشر التبر فيمن ليس يعرفه * وأنثر الدّرّ بين العمي في الفلس قال ياقوت : نقلت من خطّ أبي علي المحسن قال : سألت القاضي أبا سعيد السيرافيّ عن الأخبار التي كان روّيها عن أبي بكر بن دريد ، وكنت أقرؤها عليه : أكان يمليها من حفظه ؟ فقال : لا ، كانت تجمع من كتبه وغيرها ، ثم تقرأ عليه . وسألت أبا عبد الله محمد بن عمران المرزبانيّ عن ذلك ، فقال : لم يكن يمليها من كتاب ، ولا حفظ
--> ( 1 ) لم ترد هذه الأبيات في ديوان ابن دريد .